أحمد بن علي القلقشندي

214

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ابتدأ ضعف المملوك فتألَّم ، ثم تلا خبر الصحة فتلا ، ولكنّ اللَّه سلَّم ، ثم بلغه أنّ آلاما تراجعت ، وموادّ واصلت بعد ما قاطعت ، فحملته خواطر الإشفاق عليّ على تكرير العيادة ، وارتقاب فعلات الشفاء المستجاده ، جاريا من إحسانه وافتقاده على أجمل معهود ، باعثا مشرّفته وحاملها وكلاهما حسن الحال محمود ، فعندما وصلا أوصلا كمال العافية ، وحقّقت أخيلة البرء الشافية ، وما كان المشكوّ إلَّا مادّة يسيرة وزالت ، وبقيّة ضعف تولَّت بحمد اللَّه وبركة مولانا وما توالت ، وما عيّد المملوك إلَّا وشفاء الجسد في ازدياد ، والنفس بالوقت وبالمشرّفة في عيدين قائمين بأعياد ، لا زالت منن مولانا إزاء اللَّحظ حيث دار ، وودّه وحماه جامعين فضل الجار والدّار . زهر الربيع : لا زال محروس الشّيم ، هاطلة سحائبه بالدّيم ، مشكورا بلساني الإنسان والقلم . المملوك يقبّل يده الشريفة مؤدّيا للواجب ، ويواصل بدعاء صالح أصاره إنعامه ضربة لازب . وينهي إلى كريم علمه ورود مشرّفه الذين أبهج الأنفس وضاعف الصّبابة ، وأفنى الصبر عن محيّاه وإن كان ما أفناه أيسر صبابة ، وأنّه علم منه إنعامه وتشوّفه إلى المملوك وإلى سماع أخباره ، وما أبداه من شفقة ألفت من إحسانه وعرفت من كريم نجاره ، وتحقّقت من شيمه على من ينأى عن بابه العالي وداره ، فاللَّه يحرس هذه الأخلاق الَّتي هي أرقّ من الماء الزّلال ، والشمائل الَّتي تفعل بلطفها فعل الجريال ( 1 ) ، والمملوك فو اللَّه لا يحصي شوقه إلى الخدمة العالية ولا يحصره ، ولا يقدر على وصف ما يسرّه من الأتواق ويظهره ، إنما الاعتماد في ذلك على شاهدي عدل من خاطره وقلبه ، وهما يغنيان المملوك عن شرح ولائه بألسنة أقلامه ووجوه كتبه ، وأما السؤال عن أخبار مزاج المملوك فإنه كان في ألم دائم ، وسقم ملازم ؛ لشدّة المرض ، الذي كان يحتوي على جوهر جسمه

--> ( 1 ) الجريال ، بكسر الجيم وسكون الراء : الخمر ، وهو دون السلاف ف يالجودة . مختار الصحاح والقاموس المحيط ، مادة ( جرل ) .